علي الهجويري
90
كشف المحجوب
كثيرون ، ولن يمكنك ، خلال حياتك ، أن تجعلهم غير موجودين بالنسبة لك . والأفضل أن تجعل نفسك غير موجود بالنسبة لهم ، فإن بعض من ينشغلون بالناس يتخيلون أن الناس مشغولون بهم ، وإذا أردت ألا تكون موضع نظر الناس فلا تنظر إلى نفسك ، وبما أن كافة خطاياك لا تنجم إلا من نظرك إلى نفسك ، فما شأنك بالآخرين ؟ . وإذا كان هناك مريض شفاؤه في الحمية والإقلال من الطعام ، فمن الغباء بالنسبة له أن يفرط في طعامه ؟ » . وهناك آخرون يضعون أنفسهم موضع اللوم بدافع الزهد ، فهم يرغبون في تحقير الناس لهم حتى يقهروا أنفسهم ، ويبلغ سرورهم غايته أن يجدوا أنفسهم يائسين أذلاء . سئل إبراهيم بن أدهم ذات مرة : « هل حققت مرة رغبتك » فأجاب : نعم ! ، حدث ذلك مرتين : أولاهما كنت في سفينة لا يعرفني فيها أحد ، وكنت مرتديا ملابس عادية ، وشعري طويل ، فكانت هيئتى مثار سخرية الجميع واستهزائهم ، وكان بينهم أحد المهرجين ، الذي دأب على شد شعري ، وانتزاعه من منابته ، ومعاملتى أسوأ ما تكون المعاملة ، بالأسلوب الذي اعتاد عليه . وفي ذلك الوقت شعرت بغاية البهجة ، وبلغ سروري منتهاه بذل نفسي ، حينما قام ذلك المهرج وتبول على . وفي المرة الثانية ، وصلت إلى إحدى القرى ، والمطر ينهمر مدرارا ، حتى ابتلت مرقعتى وهدنى البرد القارس ، فاتجهت إلى أحد المساجد التمس المأوى ، فلم يسمحوا لي بالدخول ، وحدث نفس الشيء في ثلاثة مساجد ، التجأت إليها ؛ ولما أخذ منى اليأس كل مأخذ ، ونال منى البرد القارس دخلت حماما عاما ، واقتربت اقترابا شديدا من الموقد ، فأحاط بي دخانه وسود ملابسى ووجهي ، عندئذ شعرت بغاية السرور والرضا . وحدث ذات مرة أن وجدت نفسي - أنا علي بن عثمان الجلابي - في شدة ، ثم ابتهلت إلى اللّه أن يكشف عنى هذه الغمة ، ولما لم يحدث ذلك ذهبت